مرحبا بكم. تابعونا على السوشيال ميديا

مقال: الفيل الذي في الغرفة

شارك بالمحتوى
Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Email this to someone

يستخدم مصطلح الفيل الذي في الغرفة باللغة الإنجليزية للإشارة للأمرالواضح جدا ولكن الذي يتجاهله الجميع لأنه يشكل حقيقة غير مريحة فلا يرغب أحد في مواجهتها. ينطبق هذا إلى حد كبير على مشكلة مدد الرئاسة المنصوص عليها في الدستور الحالي. ينص الدستور على ان مدة الرئاسة 4 سنين ويحق للرئيس الترشح لمدتين فقط بحد أقصى. فماذا يفعل القائمون على الأمور وقد مر بالفعل أكثر من ربع المدة الكلية المتاحة وأمر بهذه الخطورة لا يمكن أن يترك لآخر لحظة؟


بالطبع لا يمانع أحد في منظومة الحكم الضرب عرض الحائط بالدستور كله وليس مادة أو أكثر من أجل فتح باب الترشح بدون حد أقصى أو تغيير مدة الفترة لعدد أكثر من السنين أو ربما الإثنين معا فما الفائدة من التكرار الكثير لانتخابات محسومة مقدما. لكن المشكلة هي أن تغيير المواد بهذه الفجاجة يعتبر رسالة سلبية للعالم الخارجي الذي نعتمد عليه تقريبا في كل شيء ويفقد النظام جزء من الشرعية التي استثمر كثيرا في تحقيقها من صفقات وزيارات وخلافه وسيتطلب المزيد من هذه المجهودات من حكومة مثقلة أصلا بالالتزامات والتحديات.

ترددت بعض الأصوات أن موضوع الترشح لفترة ثانية لم يحسم بعد وقد يفضل الرئيس عدم الترشح أو سيطلب شروط معينة من أجله. يمكننا بمنتهى الثقة تجاهل هذه الترهات. فكما سنرى هناك عدة أسباب قوية لتوقع إعادة ترشح الرئيس لمدد طويلة.

أولها بالطبع المصلحة الشخصية. فلنكن صرحاء. من منا لا يحب منصب كهذا؟ حين يرحل أوباما أو بلير من الحكم لا يرحلون تطوعا أو زهدا منهم. هم يرحلون لأن قواعد اللعبة لا تسمح لهم بالاستمرار وهم يعلمون ذلك من البداية. وفي الغالب لو تسنى لهم البقاء لبقوا. فما بالك بنفس المنصب في دولة غير مؤسسية يتمتع رئيسها بالحكم المنفرد ولا يتعرض لأي محاسبة وتسخر له إمكانيات الدولة كلها لدعمه ونفاقه. بالطبع هناك إغراء شديد للبقاء في المنصب قدر الإمكان.

بعد المصلحة الشخصية هناك أيضا مسألة السلامة الشخصية. هناك تيارات سياسية وجماعات إرهابية لا تتردد في اللجوء إلى العنف تعتبر أن لها خصومة شخصية مع السيد الرئيس وبالتأكيد هو بالنسبة لهم شخص مستهدف لو أتيحت لهم الفرصة. وليس هناك حماية من هذا الخطر أفضل من الوجود في المنصب الأكثر حماية في الدولة. بالإضافة إلى ذلك هناك احتمال المسائلة القانونية التي قد تظهر فجأة بعد الخروج من الحكم مثل ما حدث مع الرئيس مبارك ورموز نظامه. فما بين عشية وضحاها أصبح هذا متهما بسرقة أرض وذاك باستغلال منصبه وفتحت ملفات لم يتوقع أحد أن تفتح بسبب الفقدان المفاجيء للنفوذ وتغير موازين القوى. يمكننا إذا القول بثقة أن الرئيس لديه دوافع قوية جدا للاستمرار في الحكم قدر المستطاع.

ولكن لا تكفي الإرادة الشخصية أبدا في هذه الظروف. يجب أن تدعمها إرادة أخرى وهي إرادة الفئات المؤثرة والمتحكمة في البلد. مصر تسيطر عليها مصالح مجموعة فئات معينة في مؤسسات الدولة ورجال الأعمال. وهذه الفئات بطبيعتها لا تميل الى التغيير من أجل الحفاظ على امتيازاتها. وحتى لو افترضنا عدم رضاهم عن أوضاع البلد وعدم تفائلهم للمستقبل فهم لا يمكنهم المخاطرة بتغييرات جذرية. خاصة بعد تجربة الإخوان والخسائر الاقتصادية والتردي الذي حدث بعد 25 يناير. مع توفر الرغبة الشخصية والدعم النافذ يمكن القول أن لو جرت الأمور بدون عقبات وعلى حسب رغبة الأطراف سابقة الذكر وأخذا في الإعتبار سن الرئيس الحالي فيمكن ان يستمر في الحكم مدة ما بين عشرين إلى خمسة وعشرين عاما أخرى.

المشكلة في هذا التحليل أنه يقودنا إلى مشكلة أخرى أكبر. على خلاف ما تدعيه الحكومة ودوائرها في الإعلام المحلي وعلى خلاف ما يدعونا المهندس أحمد عز، لا يرى أي من خبراء الاقتصاد في مصر أو خارجها أن البلاد على مسار تنموي سليم أو أنها في طريقها إلى تحقيق أي نوع من التقدم الملموس في المناخ الاقتصادي أو مستوى المعيشة أو الخدمات العامة. بعض هذه التقارير مغرضة بمنتهى الوضوح ويخدم توجهات أطراف خارجية لكن حتى إذا تجنبنا هؤلاء فسنظل نرى صورة قاتمة للوضع الداخلي. تعاني مصر من جهاز حكومي وصل إلى مرحلة من الترهل والفشل والبطء والتأخر عن العالم الحديث والجهل بالأساليب الناجحة في الإدارة تمنعه من تنفيذ أي شيء بفعالية وكفاءة (بتصريح الرئيس نفسه). ويعمل هذا الجهاز الغير منجز تحت ضغط شبكة من المصالح الأوليجاركية والتربيطات الاحتكارية المشتبكة بكل جزء ومكون من ألية الحكم واتخاذ القرار. هذه البيئة الطاردة للتنافس والنجاح والترقي الاجتماعي تعاني صعوبة في جذب الاستثمارات الأجنبية ذات القيمة المعرفية العالية وتحصرها في المجالات الاحتكارية والريعية. وتصيب قطاعات واسعة من السكان بالإحباط وفقدان الأمل في التحسن. فتهرب أجود رؤوس الأموال البشرية للتعلم والعمل بالخارج وتلقي أقلها مؤهلا بنفسها في البحر أملا أن تحملها الأمواج لحياة مختلفة. لو أضفنا إلى ذلك الفوضى العارمة والفساد المستشري فيصعب تخيل أن هذا الوضع هو مقدمة لأي نهضة حضارية.

في هذه الصورة القاتمة تحاول الحكومة تحريك عجلة الاقتصاد عن طريق مشاريع عملاقة معظمها في مجال الإنشاءات والبنية التحتية.ولكن يتشكك الخبراء في جدوى هذا النوع من المشاريع لتحقيق تنمية مستدامة وليس بعض الرواج اللحظي أثناء تنفيذها ثم استكمال الركود بعد انتهاء الأعمال ويرجع هذ أساسا لإنها مشاريع غير انتاجية ولا توسع القاعدة الضريبية وهو ما تحتاجه الحكومة بشدة لتمويل الإنفاق العام.

لا يعني هذا بالضرورة إننا على موعد مع ثورة أخرى كما يشاع عن ثورة جياع. فقيام الثورات ووصولها لكتلة التحرك الحرجة أمر معقد ولا يستجيب دائما للتحليلات المنطقية. كثير من الشعوب تئن لعشرات السنين تحت أنظمة أكثر فشلا وتدميرا وعنفا وقمعا ولا تصل لمرحلة الثورة. ولكن يعني على الأقل أننا قد نضيع جيل آخر أو أكثر تحت نفس الجمود والتأخر الحضاري والجري في المكان وعدم الإنجاز ودلق القهوة خير واللاعدالة الاجتماعية. ويزيد هذا الإحساس مرارة أنه يأتي بعد كل الآمال العالية التي تكونت عقب ثورة يناير والتخيل الخاطيء أننا خرجنا من الاستبداد لنبدأ مسارا نحو التحضر والحداثة. فنكون مثل الذي خرج من نقرة ليقع في دحديرة كما يقولون.

ما العمل إذا؟ هل نحن متقبلين لعقدين آخرين من التخبط الاقتصادي والقمع السياسي والتخلف الحضاري؟ هل نريد عقدين آخرين من صور الرئيس في كل مكان وأخباره في بدايات النشرات وعلى الصفحات الأولى لجميع الجرائد؟ هل ستختلف موازين القوى ويتغير المشهد عن ما ذكرت؟ هذه الإجابات موضوع حديث آخر ولكن الخطوة الأولى على الأقل الآن هي مواجهة الفيل الذي في الغرفة والإعتراف بوجوده.

شارك بالمحتوى
Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Email this to someone

أترك تعليق

تعليقات

Be the first to comment on "مقال: الفيل الذي في الغرفة"

Leave a comment

Your email address will not be published.


*