مرحبا بكم. تابعونا على السوشيال ميديا

أوبر. شركة رابحة أم أكبر عملية نصب في التاريخ؟

شارك بالمحتوى
Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Email this to someone

سيارة حديثة مكيفة بسائق لا يرفض التوصيل لجهة لا تروق له وسعر مساو أو أقل من التاكسي التقليدي يمكن دفعه الكترونيا بدون مفاوضات. يبدو أن شركة أوبر قد حققت معادلة مستحيلة. ولت أيام العربات المتهالكة والزجاج الذي لا يفتح والخلاف على السعر.  كيف نجحت أوبر في تقديم هذا المستوى من الخدمة والانتشار في فترة قصيرة وهل يستمر هذا الحال أم يحمل المستقبل تغيرات في شكل ومستوى الخدمة.

في هذا المقال ألخص سلسلة منشورات من مدونة نيكيد كابيتاليزم (الرأسمالية العارية) على لسان هوبيرت هوران وهو ذو خبرة 40 عاما في صناعة النقل يحلل فيها أداء شركة أوبر وأضيف إليهم بعض المعلومات من مقالات أخرى على موقع الفينانشيال تايمز مذكورة جميعها في في أسفل النص. تتناول الدراسة السوق الأمريكي تحديدا ولكن تنطبق مبادئها بصفة عامة على صناعة نقل الركاب.

تعتبر أوبر أكبر شركة خاصة في العالم غير مطروحة في البورصة من حيث القيمة. حتى الآن ضخ المستثمرون في الشركة ثلاثة عشر مليار دولار أمريكي لتصل قيمتها حاليا إلى 69 مليارا. (لمعرفة الفرق بين رأس المال وقيمة الشركة يمكن مشاهدة شرحي للبورصة في سلسلة مقاطع من هذا الرابط).  يأتي هؤلاء المستثمرون أساسا من وادي السليكون في الولايات المتحدة بالإضافة لصندوق الاستثمار السيادي للمملكة العربية السعودية الذي ضخ في الشركة 3 ونصف مليار دولار دفعة واحدة كأكبر استثمار مباشر في شركة في التاريخ.  بطبيعة الحال يتوقع هؤلاء المستثمرون عائدا على هذه المساهمات يتناسب مع حجمها الكبير. ولكن حتى الآن مازالت تحقق الشركة خسائر دورية وتعتمد في تسيير النشاط على الإنفاق من الأموال المستثمرة فيها.

تسعى أوبر لتحقيق عائد على هذه المليارات من إعادة تعريف صناعة التاكسي وهي صناعة كانت ذات هامش ربح ضعيف ويصعب التميز فيها حيث عادة يبحث العميل عن مجرد سيارة تأخذه للمكان المطلوب وليس أكثر من ذلك. فهل تستطيع أوبر تحقيق عائد على هذه المليارات؟

لصياغة السؤال بصورة أخرى هل نمو أوبر الصاروخي وتقييمها الغير مسبوق بـ 69 مليار دولار دليل على توجيه كفؤ لرأس المال من أوجه أقل إنتاجية ونفعا لأوجه أكثر إنتاجية كما هو متوقع في في سوق رأسمالي حر؟

بالنسبة لأوبر أو أي شركة تسعى لإعادة هيكلة وتعريف صناعة ما بطريقة مربحة يجب أن تتحلى بالمواصفات التالية:

  • القدرة على تحقيق أرباح مستدامة في سوق تنافسي مفتوح تكفي لتحقيق عائد جذاب على رأس المال المستثمر.
  • القدرة على تقديم نفس الخدمة بسعر أقل من المنافسة أو جودة أعلى بنفس السعر.
  • تحقيق مزايا تنافسية عن طريقة إعادة تصميم المنتج بصورة كبيرة لا يستطيع المنافسون الحاليون تحقيقها.
  • تمرير جزء من هذه المكاسب التنافسية لمصلحة المستهلك.

تركز معظم التغطيات الإعلامية عن أوبر على مستوى الخدمة وطريقة الإدارة توسعها العالمي، في هذا المقال سنركز أساسا على أدائها الاقتصادي ونتعامل معها بالأسلوب الكلاسيكي لتقييم الشركات و تحليل المزايا التنافسية.

Uber taxi ad

أوبر لديها خسائر أكثر من أي شركة ناشئة في التاريخ

نشأت أوبر عام 2010 وبدأت تتعامل مع سائقين مستقلين بسياراتهم الخاصة عام 2012. كشركة خاصة غير مدرجة في البورصة أوبر ليست ملزمة بنشر نتائج تفصيلية عن أدائها المالي وإن نشرت لا يجب أن تخضع ما تقدمه للمعايير المحاسبية التي تفرضها الهيئات الرقابية على الشركات العامة (أي المدرجة في البورصة). ولكن الشركة بالفعل قدمت في ثلاثة مواقف نتائج مالية لمجموعات من المستثمرين بهدف جمع المساهمات (البيانات متاحة في المصدر الأول). المعلومات المذكورة في هذه النتائج توضح أن الشركة تخسر أموالا أكثر من أي شركة ناشئة في التاريخ وأن قدرتها على زيادة العملاء وعدد السائقين هي نتيجة فقط لدعم النشاط بقرب الملياري دولار سنويا.

في العام المنتهي في سبتمبر 2015 حققت الشركة خسائر 2 مليار دولار مقابل دخل مليار وأربعمائة  مليون. أي هامش ربح سالب 143%. بمعنى أن عملاء أوبر كانوا فعليا يدفعون 41% في المائة من التكلفة الحقيقية لرحلاتهم. وكانت أوبر تستخدم هذا الدعم المهول لتخفيض الأسعار وزيادة عدد السائقين أكثر من المنافسين الذين  ليست لديهم هذه الرفاهية ويجب أن يغطوا 100% من التكاليف من مدفوعات الركاب. مع العلم أن في نفس الفترة تقريبا زاد دخل الشركة بنسبة 500% عن السنة السابقة ولم تتحسن الربحية إلا قليلا جدا. فإذا كان النمو السريع في حجم الأعمال من 2012 إلى 2016 لم يقدر على زيادة هامش الربح فلا يوجد سبب مقنع للاعتقاد أن أوبر ستكتشف فجأة مليارات من الدولارات من المكاسب عند الوصول لحجم أعمال معين.

الغالبية العظمى من التغطية الإعلامية تعتبر أوبر على خطى الشركات الرقمية البارزة التي تحولت خسائرها الأولية إلى مكاسب ضخمة بعد عدة سنوات. ولكن هذا الافتراض يتعارض مع نتائج أوبر الواقعية حيث لا تظهر أي تحسن في الربحية من عام إلى التالي وأن التحسن الطفيف الذي حدث عام  2016 كان نتيجة لتخفيض دخل السائقين الذي فرضته أوبر عليهم في هذه السنة.

العديد من شركات التكنولوجيا الناشئة خسرت أموالا أثناء السعي وراء النمو واكتساب الحصة السوقية ولكن خسائر بهذا الحجم غير مسبوقة في التاريخ. على سبيل المثال في أسوأ سنواتها عام 2000 حققت أمازون هامش ربح سالب 50% وخسرت قرابة مليار ونصف دولار مما جعلها تتخلى عن 15% من قوتها  العاملة. أوبر الآن في عامها الخامس من التشغيل بدون أي أرباح. في نفس العام الخامس كانت شركة فيسبوك تحقق هامش ربح 25%.

طبيعة صناعة التاكسي هي أنها صناعة منخفضة الربحية وتعتبر صناعة سلعية (Commodity Industry) بمعنى أن المنتج النهائي الذي هو رحلة التوصيل مشابه إلى حد كبير من تاكسي إلى آخر وصعب التميز فيه. وخلال المائة عام التي مرت منذ أول مرة تستخدم مركبة بمحرك في نقل الركاب لم تشهد الصناعة فوائد جمة من اقتصاديات الكم (أي انخفاض تكلفة الوحدة كل ما زاد عددها)  وهذ يفسر لماذا شركات التاكسي الناجحة في منطقة معينة لا تتوسع في مناطق أخرى ولم تنشأ في هذه الصناعة كيانات احتكارية. السبب الرئيسي في ذلك هو أن 85% من تكلفة التاكسي هي أجر السائق وتكلفة امتلاك العربية وهي بنود لا يبدوا أن أوبر اكتشفت طريقة سحرية لتقليلها إلا في حالة العربات ذاتية القيادة والاستغناء عن السائقين تماما ولكن مع أن هذه التكنولوجيا واعدة ويتوقع الخبراء أن تحدث عاجلا أو آجلا فالبنية التحتية للشوارع في كل مكان في العالم مازالت بعيدة عن تعميم  هذه التكنولوجيا على نطاق واسع خاصة في وسط المدينة وأثناء الظروف الجوية السيئة.

تنشر بعض التقارير الإعلامية أن أوبر على وشك تحقيق الربحية أو أن شركاتها في بعض المدن تحقق أرباحا مثل أوبر لندن في بريطانيا. ولكن كما أوضحنا، بدون خضوع تصريحات الشركة لمعايير المحاسبة المنضبطة لا يمكن الوثوق في هذه البيانات ويمكن لوي الأرقام لتعطي أي انطباع. ولكن الأهم من ذلك أن من أجل تحويل خسارة اليوم بإثنين مليار دولا سنويا إلى أرباح بنفس القيمة تحتاج أوبر أربعة مليارات زيادة في أرباحها السنوية وهذا يتطلب خليطا من زيادة أسعار الركوب وأكبر نمو للربحية في تاريخ العمل الخاص وهذا شي ء واضح أن أوبر لم تكتشفه وإلا كنا قد سمعنا عنه.

تركز مئات التقارير الإعلامية على كيف حققت أوبر منفعة كبيرة للعملاء من سهولة التوصيل ولكن هذه التقارير لا تذكر أن هذه المنفعة تتحقق فقط بسبب دعم الشركة لتكلفة الرحلات من جيوب المساهمين وليس لأي سبب آخر. إن رفض أوبر للجوء للبورصة والطرح للاكتتاب العام هو أفضل دليل على أن في حالة نشر نتائج مفصلة تؤكد هذه الخسائر الهائلة وبدون أي تقدم تجاه الربحية قد تفقد ثقة الرأي العام في سعيها نحو السيطرة على السوق. كملحوظة ذات دلالة رفضت بنوك جي بي مورجان ودويتشة بانك مؤخرا التوسط في بيع أسهم أوبر لمستثمرين أثرياء لأن الشركة رفضت توفير بيانات حقيقية عن الدخل وزودتهم فقط بـ 290 صفحة من الكلام المرسل.

حاليا أوبر شركة مهولة الخسائر وباستثناء تخفيض أجور السائقين الذي حدث في 2016 لا يوجد أي دليل من البيانات المتاحة على أنها تتقدم نحو الربحية.

Uber motorbike

تحليل تكاليف أوبر وأسباب عدم ربحيتها

على عكس الشركات المشابهة فأوبر لم تبتكر منتجا جديدا أو أعادت تعريف سوق تقليدي ولم تنافس الشركات القديمة بطريقة حديثة ومبتكرة للعمل. هي في النهاية توصل الركاب من النقطة أ للنقطة ب. مثل ما تفعل شركات التاكسي العادية منذ عشرات السنين.

في هذا الجزء نتحدث عن تحليل المصاريف للشركات التقليدية في هذا المجال ونقيم أوبر إذا كنت لديها ميزة مهمة في أي من هذه المكونات. أو قابلية تحقيق توفير في التكلفة مع نمو الأعمال. أي بمعنى آخر هل خسائر أوبر الضخمة يمكن تبريرها كاستثمار سيوفر عائدا في المستقبل القريب الوصول لحجم أعمال معين أم لا.

تعمل شركات التاكسي في الولايات المتحدة منذ السبعينات كشركات تأجير. السائق يدفع مبلغا ثابتا يغطي تكلفة ملكية السيارة وصيانتها والمصاريف الإدارية للشركة مثل توزيع الطلبات باللاسلكي ومصاريف الدعاية والتسويق وتكلفة قبول الكريديت كارد. بعد دفع الإيجار يحتفظ السائق بالدخل المدفوع من الراكب ويدفع منه فقط الوقود. هو بذلك يتحمل مخاطرة أن دخله في وردية معينة قد لا يمثل مبلغا يذكر بعد خصم مصروف الإيجار وأي مصاريف أخرى كالتأمين الصحي. يمكن القول أن هذا النموذج يصنف السائق كمقاول مستقل. يؤجر معدة لتحقيق منها أرباحا.

نموذج أوبر يدفع هذا النموذج خطوة إضافية وينقل جميع مصاريف المركبة والمخاطرة على رأس المال على عاتق السائق. تأخذ أوبر 30% من العائد وتوفر له في المقابل المصاريف الإدارية فقط.

Uber: pro e contro della start-up avversata dai tassisti

هناك أربع بنود رئيسية لتكاليف خدمة نقل الركاب. أولا، أجر السائق (ما يأخذه في جيبه وأي تكاليف أخرى مثل الرعاية الصحية). ثانياا، تكاليف ملكية المركبة وصيانتها. وثالثاا، المصاريف الإدارية للشركة مثل التسويق والاتصالات وتلقي الطلبات من العملاء بالتليفون وتوزيعها باللاسلكي. ورابعا، الوقود وأي مصروفات مباشرة أخرى مثل تذكرة دخول المطار أو كارتة طريق أو هاتف محمول.

تحليل التكاليف في شركات التاكسي في شيكاغو وسان فرانسيسكو ودينفر أوضح أن 58% من كل دولار يدفعه الراكب (تعريفة + بقشيش) يذهب للسائق . 9 سنتات يذهبوا للوقود والمصروفات المباشرة. 18 سنت للسيارة والـ 15 سنت الباقون للمصاريف الإدارية للشركة وأرباحها. هذه النسب تتغير قليلا حسب الظروف المحلية وتغير أسعار الوقود ولكنها تعكس إلى حد كبير الأحجام النسبية لكل بند من هذه البنود في الشركات التقليدية.

إذا أخذنا هذه البنود في الاعتبار هل يمكن أن توفر أوبر خدمة نقل بكفاءة أعلى من الشركات التقليدية؟ وهل يمكن تفسير نجاح أوبر في دفع المنافسين خارج السوق وتحقيق أكبر تقييم في التاريخ كنتيجة لكفاءتها وميزتها التنافسية؟

في الحقيقة، لو فحصنا البنود الأربعة يظهر لنا أن العكس هو صحيح. أوبر ليس فقط تفتقد لميزة في التكلفة التي يجب أن تتوفر في شركة تحاول دفع الآخرين خارج السوق. بل إنها في الحقيقة لديها تكلفة أعلى من الشركات التقليدية في جميع البنود ما عدا الوقود.

هذه التكاليف الهيكلية الأعلى تتوافق تماما مع الخسائر المليارية التي تحققها الشركة بانتظام وتؤكد مرة أخرى أن نمو الشركة السريع سببه الحقيقي هو الدعم المهول من المستثمرين وليس مستوى الخدمة المتميز ولا الكفاءة الأعلى.

في النموذج التقليدي تغطي الشركات 33% من المصاريف (18% سيارة و15% مصاريف إدارية) ويغطي السائق 67% (وقود 9% وأجره 58%) . في نموذج أوبر تغطي الشركة 15% من التكاليف من النموذج التقليدي ويتعامل السائق مع 85% من المصروفات (أجره 58% والوقود 9% وتكاليف السيارة 18%)

لجذب أموال المستثمرين ورفع قيمة الشركة احتاجت أوبر أن تنمو نموا سريعا. فلجأت إلى زيادة رواتب السائقين وتحفيزهم بأنظمة مكافآت تعطيهم دخلا إضافيا على عدد الرحلات فوق نسبتهم من الدخل. وهذا أدى في البداية إلى أن يكون سائقيها  أكثر احترافية وتعليما من نظرائهم. الدخل العالي خلق حافزا لتحول السائقين إليها وخلق انطباعا انها شركة تقدم جودة أعلى ولكن معنى ذلك أن لديها بند تكلفة السائقين أعلى بكثير من الشركات التقليدية.  ولكن في نفس الوقت لو لم توفر أوبر في تكلفة السائقين فلن تستطيع التفوق على المنافسين التقليديين. وإذا قللت دخلهم سيتوقف أو يتباطأ النمو ويضعف انطباع العام بالجودة.

تعاملت أوبر مع هذا الموقف بالتضليل الاستراتيجي وخليط من التدليس والكذب الصريح. استغلت أوبر اللاسيمترية في المعلومات بين طرفين  أحدهم  شركة ضخمة والآخر سائق منفرد لم يحمل يوما هم تكلفة اقتناء عربية وصيانتها ليعرف فعليا المبلغ الذي سيحمله إلى المنزل  (لحديث أكثر عن لاسيمترية المعلومات في الاقتصاد يمكن مشاهدة مقطع لي من هذا الرابط).

الادعاءات التي استخدمتها أوبر لجذب السائقين خلطت عن عمد المبلغ الذي يأخذه من مدفوعات الراكب بالمبلغ الصافي الذي سيأخذه إلى المنزل وأغفلت ذكر مصاريف السيارة ومخاطرة اقتنائها وأغفلت ايضا إمكانية أوبر إنهاء التعاقد في أي وقت يحلو لها مما يشكل عدم أمان وظيفي مرتفع. ذكرت اوبر صراحة أن متوسط دخل السائق 90 ألف دولار سنويا في نيويورك و47 ألفا في سان فرانسيسكو في حين أن واقعيا لا يوجد أي سائقين يحققون هذه الأرقام.

بعد كشف هذا الخداع ردت أوبر ببعض الأبحاث “الأكاديمة” التي مولتها هي شخصيا لإثبات أن سائقي أوبر يكسبون أعلى ولكنها أغفلت مرة أخرى حساب تكاليف السيارة وأغفلت أن رحلات أوبر مدعومة اقتصاديا في حين أن السائقين التقليديين محكومون باقتصاديات السوق وأجرة الركاب الفعلية.

في منتصف عام 2015 حين كان العديد من السائقين في التزامات مالية وأقساط للسيارات ألغت أوبر برامج تحفيز السائقين وقللت دخلهم من 80% إلى 70% من الأجرة وهذا ما حسن قليل من نتائج الشركة ولكن ألغى الحافز الاقتصادي للسائقين للتحول من التاكسي التقليدي إلى أوبر.

دراسات مستقلة أجريت على وضع السائقين وجدت أن الدخل الحقيقي الصافي  لسائق أوبر هو من 10-13 دولار في الساعة وهو ما يساوي أو يقل عن دخل السائق التقليدي ومازالت أوبر تجذب السائقين بوعود مبالغ فيها عن الدخل.

ننتقل من السائق إلى البند الثاني وهو تكلفة السيارة فنجدها أيضا أعلى. بجانب أن سيارات أوبر عادة أفضل فإنه من السذاجة أن نتصور أن مئات الآلاف من السائقين المستقلين ستكون التكلفة الكلية لسياراتهم أقل من التكلفة لمديري الأساطيل المحترفين في الشركات التقليدية الذين لديهم خبرة طويلة في إدارة الأصول وإجراء الصيانة ويستطيعون توزيع المخاطر وموازنتها مع متطلبات السوق. كل أنشطة النقل الناجحة تعتمد على أساطيل مدارة مركزيا لتقليل مصاريف الصيانة والحصول على أفضل أسعار الشراء.

انتبهت أوبر لهذه النقطة مؤخرا فقررت توفير سيارات بالتقسيط وحصلت على خط ائتمان  بمليار دولار من بنك جولدمان ساكس واستخدمت ثقلها في السوق للتفاوض على شراء سيارات للسائقين الذين ليست ليهم سيارة أو لا يستطيعون الحصول على قرض. ولكن المشكلة أن الأسعار التي توفرها أوبر للسائقين (155 دولارا أسبوعيا لتويوتا كورولا) مرتفعة ما مقارنة بالسوق. ليست لإنها تحاول الربح  من هذا النشاط ولكن غالبا لأنها اكتشفت أن سوق الائتمان ليس بهذه السهولة. شركات التمويل ليست بسذاجة السائقين وتفهم المخاطر جيدا ولن تستطيع أوبر أيا كان ثقلها بالتأثير عليهم ومضطرة أن تقبل سعرهم المعروض.

تخصم أوبر هذا المبلغ من عائد السائق تلقائيا. وتوفر لهم صيانة للسيارات مما يدل على أنها بدأت تدرك فائدة الإدارة المركزية للأسطول على الكفاءة الكلية للعمليات. المشكلة هنا أن كلما تنغمس أوبر أكثر في إدارة السيارت وصيانتها كلما تبعد عن نموذج الشركة خفيفة الأصول الذي كان أحد نقاط  القوة لديها. وهذا يعرضها أيضا للتدخل الحكومي وفرض مسؤوليات تجاه السائقين مثل التأمين وعقود عمل وإجازات مرضية مدفوعة وهكذا.

في البند الثالث وهو التكاليف الإدارية أيضا مصاريف أوبر أعلى بكثير من المنافسة. الشركات التقليدية تأخذ 15% لتغطية مصاريف الإرسال والتسويق ومصاريف الشركة وإيجار المقر وخطوط التليفون والتراخيص وهكذا.  حاليا أوبر تأخذ 30% ولكن مصاريف أوبر أعلى بكثير جدا. وكما نرى في حسابات الشركة هذه النسبة لا تقترب نهائيا من تغطية مصاريفها.

على عكس الشركات التقليدية تدفع أوبر أموالا طائلة لتمويل دعاية عالمية في دول كثيرة وتغطي مصاريف تطوير السوفتوير ومصاريف لوبيات سياسية  للضغط على الجهات الرقابية. فمثلا صرفت أوبر في لاس فيجاس على اللوبي السياسي أكثر من مجموع ما صرفته صناعة القمار بأكملها التي هي النشاط الرئيسي للمدينة. هناك أيضا مصاريف ضخمة لدخول أسواق جديدة ومصاريف قضائية لتسوية نزاعات قضائية مثل 100 مليون دولار دفعتهم مؤخرا لتسوية إحدى القضايا مع مجموعة من السائقين. وبعد كل هذه المصاريف الفاحشة عليها أن توفر عائدا على الـ 13 مليارات الذين تلقتهم.

العديد من الشركات الناشئة في التكنولوجيا عانت من خسائر أولية ولكن استفادت من اقتصاديات الكم. فمثلا أمازون تستطيع بيع ضعف عدد الكتب بدون زيادة تقريبا في مصاريفها الثابتة في المخازن والبرامج ونفس الشيء ينطبق على فيسبوك وجوجل حيث زيادة المستخدمين وبالتالي الإعلانات يقابلها زيادة طفيفة جدا في مصاريف التشغيل. هذا يختلف كليا عن أوبر حيث كل رحلة إضافية تتطلب سائقا وسيارة ووقود ولا يمكن تحميلها على بقية الرحلات. بل إن المصاريف الإدارية للشركة تزيد بشدة عند التوسع في أسواق جديدة. ولا تقل.

حاولت أوبر توفير النفقات بتحميل أكثر من راكب على نفس الرحلة وإغراء الركاب بالركوب والنزول في نقاط محددة لرفع كفاءة المسارات وهو ما يحولها في الواقع لشركة أتوبيس وليس تاكسي ولكن حتى مع ذلك لم تنجح هذه المبادرة كثيرا لأن الركاب أحيانا لا يلاحظون أنهم طلبوا رحلة مجمعة فيؤدي ذلك لسوء تفاهم مع السائقين والركاب الآخرين.

إحدى المزايا الأخرى التي استفادت منها كثيرا شركات التكنولوجيا التأثير الشبكي Network Effect حيث تزداد قيمة المنتج كل ما زاد عدد المستخدمين وكبرت الشبكة. فمثلا حين انتشر الفيسبوك بين مستخدمين كثيرين أصبح أكثر جاذبية للمستخدمين الجدد ليجدوا أصدقائهم. حين تريد أن تبيع شيئا في مزاد. يصبح موقع إيباي ذو قيمة أعلى لوجود عدد كبير البائعين والمشترين عليه وليس من المنطقي أن تعرض سلعتك على موقع آخر. هذه المزايا ساعدت في نمو بعض المواقع وجعلت من الصعب جدا اختراق السوق بواسطة اللاعبين الجدد. ولكن لا تتمتع أوبر بهذه الميزة. فلا أحد يركب تاكسي لأن أصدقائه يركبون على نفس الشركة وإذا وجد الراكب سعر أفضل سيتحول إليه بدون ولاء لشركة معينة. كما أن تطبيق أوبر في حد ذاته لا يشكل إنجاز كبير ويستطيع أي طرف جديد أن ينتج تطبيق مثله بنفس الخواص.

إذن أوبر حاليا شركة خاسرة وتحليل تكاليفها نجد أنها أيضا تتمتع بمزايا غير تنافسية تمنعها من أن تصل للربحية أبدا.

دحض الادعاءات الغير صحيحة عن كفاءة أوبر

بعد أن رأينا الوضع الحقيقي للشركة نتحدث الآن عن بعض الأساطير التي يروج لها أنصار أوبر في الإعلام عن مزاياها التنافسية.  مع أن أوبر تعمل منذ 2010 ولو كان هناك أي مزايا كان من المفترض أن نشعر بها الآن.

على عكس الشركات التكنولوجية أوبر لم تعلن أبدا عن أي مزايا تنافسية تبرر هذا النمو السريع. شركة أمازون مثلا  أوضحت منذ النشأة عن فرصتها لتحقيق الأرباح. كانت فكرة أمازون إحداث ثورة في تجارة الكتب التقليدية التي كانت ذات تكاليف عالية وهامش ربح عالي وأسعار عالية. فكان واضحا من البداية ما هي الميزة التنافسية التي تستطيع تقديمها من خلال التعامل مع الناشرين مباشرة لعرض أكبر عدد من الكتب وتقليل التكلفة بسبب عدم وجود محلات وتقديم موقع سريع جدا يسهل البحث ويرشح الكتب بناءا على ذوق العميل.

وبناءا على هذه النقاط تستطيع أمازون تحقيق مكاسب تتقاسمها مع العميل لتحقيق مصلحة مشتركة ومبيعات أعلى ومع نمو الشركة وانشاء المخازن الضخمة استفادت من اقتصاديات الكم لتزيد الربحية أكثر وأكثر. وبعد ذلك استطاعت التوسع في مجالات أخرى ذات هامش ربح منخفض بعد أن حققت أرباح مستدامة في  مجالها الأساسي.  أما أوبر فلا تستطيع تفسير كيف ستحقق مليارات من المكاسب في صناعة سلعية هامش ربحها في الأصل ضئيل وتوفر التكاليف لأقصى درجة.

من أشهر حجج أنصار أوبر أنها تستغل فكرة الاقتصاد التشاركي لتحقيق قيمة مضافة كبيرة (لمعلومات أكثر عن هذا الموضوع يمكن مشاهدة مقطعي من هذا الرابط). والفكرة هي أن السيارات في المتوسط تستغل لمدة 56 دقيقة في اليوم فقط وبالتالي الشركات مثل أوبر تحقق قيمة ضخمة عن طريق استغلال الـ 97% من الوقت الذي كانت فيه السيارة معطلة.

هذه الحجة في الحقيقة غير دقيقة لإن في الواقع الكثير من الأصول يستغل قليلا جدا مثل معظم الملابس أو الأدوات وأصول كثرة أخرى. ولكن امتلاك والتحكم فيها واستخدامها له أيضا قيمة كبيرة قد تزيد عن القيمة المضافة من مشاركتها فانحصرالتشارك على مجالات بسيطة مثل بدل الأفراح وأحذية البولنيج.

الاقصاد التشاركي روج لفكرة أن استعارة أداة من جارك حين لا يستخدمها قد تكون أساس لصناعة عالمية ضخمة نعم من الممكن أن شخص ما عنده بعض وقت الفراغ مساء يوم السبت يستطيع توصيل بعد الطرود أرخص من شركة البريد في منطقته. لكنه من منتهى السذاجة أن نتخيل أن شبكة من الأفراد المستقلين يستجيبون لطلبات توصيل من خلال تطبيق على هاتفهم المحمول ستكون تكلفتهم الكلية أقل من شركة البريد على مستوى العام.

من أشهر الأمثلة في الاقتصاد التشاركي موقع أير بي اند بي لتأجير المنازل كبديل للفنادق. لو نظرنا لهذا المجال نلاحظ شيئين. أولا إن استخدام المنازل الفارغة لا يفقدها الكثير من القيمة على عكس السيارة التي تستهلك وتطلب صيانة كل ما زاد الاستخدام. والنقطة الأهم هي أن لو كان اير بي ان بي مقتصرا منذ البداية على الأفراد الذين يؤجرون منزلهم عندما يسافرون في أجازة أو لديهم غرفة فارغة لا يستغلونها ماكان الموقع سيحقق هذا النمو في الأعمال وفي القيمة. الذي مكن اير بي اند بي من التحول لشركة عالمية هو دخول الكثير من الوحدات السكنية المخصصة من ملاكها لخدمة النزلاء.

نفس الشيء بالنسبة لأوبر. قد تكون تكلفة الشخص الذي يريد مكسبا إضافيا يوم الأجازة بالعمل كتاكسي فعلا قليلة ولكن لخدمة صناعة النقل على مستوى العالم واستبدال كل عربات التاكسي تحتاج أوبر إلى أسطول من السيارات مخصص لهذا النشاط وهو في الواقع ما يحدث حاليا حيث يعمل غالبية سائقي أوبر كسائقين متفرغين وليس فقط في وقت فراغهم. وبالتالي فكرة أن أوبر تستغل الاقتصاد التشاركي هي فكرة دعائية أكثر منها حقيقية.

خرافة أخرى هي أن أوبر وسعت السوق وجذبت عملاء لم يكونوا ليركبوا تاكسي من الأصل. قال بيل جورلي أحد مستثمري أوبر الأوائل أن قيمة أوبر الكبيرة مبررة لأن لا سقف لحجم النمو الممكن تحقيقه. قريبا سيكون التنقل بأوبر أرخص من امتلاك عربية لأسر كثيرة، وبالتالي لا يجب تقييم الشركة بناءا على حجم سوق التاكسي التقليدي بل على حجم سوق السيارات والنقل بأكمله. ولكن جورلي لم يوضح كيف يستقيم هذا الإدعاء مع الخسائر الرهيبة الحالية. ولم يفسر كيف ستكون أوبر أرخص وأكثر كفاءة من شركات التاكسي التقليدية إذا امتنعت عن دعم الرحلات اقتصاديا من أموالها الخاصة.

استخدام السائق كمقاول مستقل ليس إبداعا جديدا من أوبر. رأينا إن شركات التاكسي كان دائما تعمل على أساس سائق مستقل وشركة إدارة. الإختلاف الذي حققته أوبر هو نقل تكلفة ومخاطرة امتلاك السيارة على عاتق السائق. وهو اختلاف لا يفيد يرفع من كفاءة المنظومة بل يمكن أن يقلل منها. تخيل شركات النقل والطيران مثلا تحولت لهذا النظام. لن يعمل أحد على الخطوط الغير مربحة حتى وان كانت مهمة لكفاءة الشبكة ككل ولكن في حالة الإدارة المركزية تستطيع الشركة تشغيل خطوط أقل ربحية مع خطوط أكثر ربحية لتوفير تغطية متكاملة للعميل.

يلاقى تطبيق أوبر استحسان المستخدمين ولكن في النهاية هو ليس اختراعا جبارا ولم يكن له تأثير كبير على التكلفة والكفاءة السعرية. وبما أن التطبيق يمكن تقليده بسهولة مثل ما حدث فعلا فلا يمكن أن يوفر فائدة طويلة المدى. العديد من الصناعات الاستهلاكية تحولت للطلب التليفوني وانترنت مثل طلب البيتزا وتذاكر الطيران ولكن لم يحدث أبدا أن كان هذا له تأثير على التنافسية السوقية وخلق عشرات المليارات من القيمة الإضافية. التركيز الشديد على قيمة التطبيق بين مشجعين أوبر يبدو رمزيا أكثر منه اقتصاديا. ويوحي أيضا ان أوبر شركة تكنولوجيا غيرت مفهوم الصناعة وليست شركة عادية مثل بيتزا هت مجرد تستخدم تطبيق تكنولوجي لإدارة الطلبات.

تلجأ أوبر لزيادة الأسعار وقت الذروة ويعتبر بعض مشجعي أوبر أن هذه السياسة تعتبر انطلاقة تكنولوجية تماثل التسعير المتغير في الطيران والفنادق وصناعة السياحة. في الحقيقة التسعير المتغير فعلا رفع من كفاءة وربحية الصناعات السياحية ولكن تستخدم أوبر التسعير المتغير بطريقة بدائية جدا ولن تحقق هذه النتائج لأن تفاعلات صناعة التاكسي مختلفة تماما عن الطيران.

في صناعة السياحة يشتري الناس تذاكر الطيران ويحجزون غرف الفنادق بفترة طويلة قبل السفر وتتوفر لديهم معلومات عن المواعيد المختلفة وأسعارها ليختاروا الأنسب لهم طبقا لحساسيتهم السعرية. هذا يتيح للصناعة توزيع الطلب على المعروض من الغرف والطيارات. ولكن الأبحاث دائما أوضحت أن نمط الطلب في التاكسي مختلف وغير مرن. وتغير السعر لن يحركه. بمعنى أنه إذا أردت الذهاب للمنزل بعد العمل وكان السعر عاليا لا يمكنك تأجيل الرحلة ليوم آخر حين يكون الطلب أقل يجب أن تذهب الأن.  لن يستطيع أي توفير مهما كان قدره أن يغير خططك للسهرة من يوم السبت ليوم الثلاثاء مثلا. شركة قطارات لونج أيلاند لديها تسعير ذروة مرتفع ومع ذلك مازالت هناك ازدحام في أوقات معينة. فتسعير الذروة في صناعة المواصلات يمكن أن يؤثر على عائد الشركة لكنه لن يحل مشكلة توافق العرض مع الطلب.

مشكلة أخرى في موضوع تسعير الذروة هو تأثيره المجتمعي. أوضحت دراسات أن 35% من مستخدمي التاكسي دخلهم خمسة أضعاف الـ 43% الأدنى الذين غالبا يركبون التاكسي لارتباطه بمكان عملهم في مناطق لا تخدمها المواصلات العامة. النتيجة لذلك أن تسعير الذروة يقلل من وقت الانتظار للأثرياء بعد الخروج من ملهى ليلي على حساب الفقراء الذين يخرجون من ورديات متأخرة.

المشاكل الرئيسية في صناعة التاكسي معروفة منذ عقود ولم تستطيع أوبر إيجاد حلول لها. أهم مشكلتين هما ازدياد الطلب جدا وقت الذروة وأوقات المفاجآت (عندما تمطر مثلا)  والتغطية الغير جيدة في المناطق منخفضة الكثافة لعدم الرجوع الفارغ منهم. وهذا لأن التكلفة الحقيقية لتوفير معروض كاف من السيارات حين ازدياد الطلب أكثر مما مستعد يدفع الركاب.

كل وسائل النقل تعاني من هذه التحديات وعلاجها يكون بتنبؤ طلبات العميل والإدارة المركزية للعمليات. شركات توصيل الطرود يمكنها ترتيب خط السير والرحلات لتقليل الرجوع الفارغ ويمكنها توزيع النقل على الأوقات خارج ساعات الذروة. وهو ما لا تستطيعه شركة التاكسي.لأن عميل التاكسي يتوقع الاستجابة السريعة أو اللحظية لطلبه.

في النموذج التقليدي تضع الحكومة حدا على عدد التاكسيات لتقليل ازدحام المرور ولأن إذا زاد عدد التاكسيات ستقل نسبة الإشغال معظم ساعات اليوم خارج وقت الذروة ويضطر السائقون حينئذ لزيادة الأسعار لتغطية مصاريفهم. فوضع حد أقصى على التاكسيات يجعل العرض والطلب يتلاقون عند نقطة سعرية مناسبة (يمكن مشاهدة مقطع عن مفهوم العرض والطلب من هذا الرابط). أوبر تتعامل مع هذه المشكلة بالأسلوب العكسي تماما. فهي لا تضع حد أقصى لعدد السائقين والنتيجة أن مقابل خدمة أفضل وقت الذروة لا يجد الكثير من السائقين رحلات كافية خارجها.

لو أخذنا في الاعتبار كل المعلومات المتوفرة في الحقيقة أن أكبر إنجاز حققته أوبر هو جمع كل هذه الأموال والوصول لهذا التقييم الغير مسبوق في التاريخ بناءا على شركة تفعل ما يفعله السوق العادي ولكن بكفاءة أقل وتكاليف أعلى وخسائر أكبر. ثم حولت كل هذه الأموال بعد ذلك لتجاهل قوانين السوق والعرض والطلب وتجاهل الإشارات السعرية التي تؤدي لعمل السوق بكفاءة.

الخلاصة

رأينا أن أوبر حاليا شركة خاسرة ولا يمكنها أن تصل للربحية وأيضا معظم مزاياها غير مؤثرة أو مبالغ فيها. أوبر ليس لديها مصدر للميزة التنافسية يمكنها من التحول لأرباح مستدامة في سوق تنافسي ولكن كلمة السر هنا فكرة “السوق التنافسي”. لم يضع مستثمري أوبر فيها 13 مليارا من الدولارات لإنهم اعتقدوا في إمكانية توفير خدمة نقل أكثر كفاءة من الخدمات التقليدية. أوبر من البداية وهي تسعى للسيطرة على السوق السوق وتحقيق الربح الاحتكاري.

غني عن الذكر أن مستثمري ومديري أوبر ناس أذكياء جدا ويعرفون جيدا المشاكل المذكورة في هذا المقال، ولا يمكن أن تكون خافية عليهم. وبالتأكيد هم مهتمون بتحقيق عائد على المليارات التي أنفقت في الشركة. وهذا لن يتحقق في سوق مفتوح وعادل ولن يتحقق إلا بسحق المنافسة وإخراجها من السوق لتأخذ أوبر الكعكة كاملة وتبدأ في استخلاص مكاسب ريعية بدون منافسة مثل زيادة الأسعار وتخفيض أجور السائقين أكثر وأكثر حين يتحقق لها هذا الاحتكار. كما رأينا، أوبر تحتاج إلى ثلاثة أو أربعة مليارات سنويا  لتمويل نشاطها وبما إنها غير قادرة على استخلاص هذا المبلغ من زيادة الكفاءة فالحل الوحيد هو استخلاصه من السائقين والركاب عندما تصل لدرجة الاحتكار وتنعدم الخيارات أمام المستهلكين.

لو نظرنا لسلوك الشركة فإن كل مافعلته منذ نشأتها يشير إلى هذا الإتجاه. فمثلا أوبر لم توضح أبدا كيف تستطيع إدارة خدمة الناكسي أفضل من الشركات التقليدية ولم تهتم بإثبات ذلك. اهتمت فقط بتضليل السائقين عن عائدات مبالغ فيها جدا. لم تحترم أوبر القوانين المحلية في أي مكان وحق الحكومات المنتخبة في تنظيم صناعة نقل الركاب وطبقت مبدأ “بدلا من أن تطلب الإذن أفعل ما تريد ثم أطلب المغفرة” ودخلت كشركة عملاقة ضاربة عرض الحائط بالقواعد المحلية.

حاولت أوبر الإضرار بمنافسيها مثل ليفت وتعطيلها عن العمل وأعلنت أنها لن تتعامل مع البنوك التي تساعدها في جمع استثمارات. اتهمت أوبر شركات التاكسي التقليدية وشوهت سمعتهم بأنها كارتيلات تستغل الركاب بدون أي إثبات كيف مجموعة من الشركات المتنافسة منخفضة الربحية يمكن اعتبارها كارتيل.

حتى الأخبار الداخلية التي تتسرب من داخل الشركة تحمل دلالات كثيرة عن ثقافتها. ارتبط اسم أوبر بعدد من الفضائح مثل تعرض مهندسات لتفرقة وتحرش جنسيا. عاقبت الشركة صحفية انتقدت أوبر بنشر بيانات شخصية عنها. انتهكت خصوصية إحدى الراكبات في الهند بعد تعرضها للاغتصاب من السائق وحصلت على سجلاتها الطبية بطريقة غير قانونية. عينت أوبر في 2016 جيف جونز المدير السابق لسلسلة محلات تارجت كرئيس للشركة بهدف تحسين سمعتها ورحل بعد ستة شهور قائلا إن المبادئ التي حكمته خلال حياته العملية لا تتماشى مع ما رآه في أوبر. وأخيرا، في يونيو 2017 قرر مجلس الإدارة إعطاء مؤسس الشركة والمدير التنفيذي  المثير للجدل ترافيس كالانيك أجازة مفتوحة ليعيد النظر في طريقة إدارته.

إن غرض شركة أوبر وخطة عملها هو الإضرار بالمنفعة العامة وتحويل الثروة من جيوب عامة الركاب والسائقين إلى جيوب مليارديرات وادي السيليكون. ولكن حتى لو وصلت أوبر للاحتكار التكاليف هي التكاليف فكيف تستطيع شركة بهذا القدر من عدم الكفاءة تحقيق أي أرباح في يوم من الأيام. هذا ما سنراه في المستقبل.

مصادر:

شارك بالمحتوى
Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Email this to someone

أترك تعليق

تعليقات

2 Comments on "أوبر. شركة رابحة أم أكبر عملية نصب في التاريخ؟"

  1. (يمكن مشاهدة مقطع عن مفهوم العرض والطلب من هذا الرابط)

    لا يوجد رابط، رجاء إدراج الرابط المفقود.

  2. Ahmed Mamdouh | يونيو 21, 2017 at 01:42 |

    تم التعديل. شكرا لانتباهك.

Leave a comment

Your email address will not be published.


*